 |
| النيل في الفكر الأوروبي: قراءة في كتاب "النيل – نهر التاريخ" للمؤرخ تارييه تافيت |
النيل في الفكر الأوروبي: قراءة في كتاب "النيل – نهر التاريخ" للمؤرخ تارييه تافيت
يعتبر نهر النيل أكثر من مجرد مجرى مائي يقطع القارة الأفريقية من جنوبها إلى شمالها؛ إنه شريان الحضارة، ومفجر الأساطير، واللغز الذي طالما أرّق المستكشفين والفلاسفة عبر العصور. في كتابه الضخم "النيل – نهر التاريخ"، يقدم أستاذ الجغرافيا والباحث النرويجي الشهير تارييه تافيت (Terje Tvedt) رحلة معرفية فريدة ترصد حضور النيل في الوجدان والفكر الأوروبي، وكيف تحول هذا النهر إلى أيقونة عالمية تجاوزت حدود الجغرافيا لتستقر في قلب الفنون والسياسة والعلوم الأوروبية.
- صدرت النسخة العربية لهذا الكتاب عن دار «العربي» للنشر والتوزيع بالقاهرة، بترجمة دقيقة للمترجمة منة الخازندار، ويقع الكتاب في 544 صفحة من القطع الكبير، ليعد مرجعاً استثنائياً لكل مهتم بتاريخ المياه والسياسة الدولية.
النيل في الفكر الأوروبي: قراءة في كتاب "النيل – نهر التاريخ" للمؤرخ تارييه تافيت
من نرويج "المطر" إلى نيل "الحضارة": رحلة تارييه تافيت
تبدأ قصة هذا الكتاب بتساؤل جوهري طرحته دار النشر على المؤلف: كيف لمؤرخ نرويجي من أقصى شمال أوروبا أن يقضي حياته في دراسة نهر النيل؟
يجيب تافيت بذكاء بربط حياته الشخصية بمفهوم "الولع المائي". فالمؤلف نشأ في مدينة بيرجن، عاصمة الساحل الإسكندنافي المطير، حيث الأمطار لا تتوقف. هذا الانغماس في بيئة مائية جعله يدرك مبكراً أن المياه ليست مجرد عنصر طبيعي، بل هي القوة الخفية التي تشكل المجتمعات، وترسم مسارات التنمية، وتحدد مصائر الشعوب.
- منذ تلك اللحظة، تحول اهتمام تافيت من تاريخ العالم العام إلى برنامج بحثي متخصص يركز على العلاقة بين "المجتمع والمياه". طاف تافيت العالم، من أنهار الصين والهند شرقاً إلى أنهار الأرجنتين جنوباً، لكنه وجد في نهر النيل سحراً خاصاً وتاريخاً متشابكاً لم يجده في أي نهر آخر، مما دفعه لإنتاج أكثر من 20 كتاباً وفيلمه الوثائقي الشهير «تحقيق بشأن النيل».
النيل في الفن الأوروبي القديم: "فسيفساء النيل" نموذجاً
ينتقل بنا الكتاب إلى إيطاليا، وتحديداً إلى بلدة "بالسترينا" التي تبعد 35 كيلومتراً عن روما، ليسلط الضوء على واحدة من أهم الكنوز الأثرية: "فسيفساء النيل".
هذا العمل الفني الذي يعود تاريخه إلى أكثر من 2000 عام، يمثل ذروة اهتمام العقل الروماني بالنيل. تكمن عبقرية هذه الفسيفساء في:
المنظور الحديث: صُور النيل فيها كما لو أن الفنان يراه من طائرة في العصر الحديث، مما يعكس دقة الملاحظة الجغرافية القديمة.
الدمج الحضاري: تجمع اللوحة بين العناصر الأفريقية في أعالي النيل، والمناظر المتوسطية في مصبه، مما يؤكد أن النيل كان دائماً الجسر الذي يربط القارات.
التوثيق الاجتماعي: ترصد اللوحة تفاصيل الحياة اليومية، والحيوانات، والنباتات، والطقوس، مما جعلها مصدراً تاريخياً لا يقدر بثمن لفهم كيف رأى الأوروبيون الأوائل "شريان الحياة" في أفريقيا.
تقديس النيل في الوجدان الأوروبي: من الآلهة إلى التماثيل
لم يكن النيل بالنسبة للأوروبيين مجرد نهر للري، بل كان كياناً مقدساً. يوثق تافيت كيف انتقلت عبادة النيل من المعابد المصرية إلى قلب العواصم الأوروبية:
الإلهة إيزيس في لندن: يضم المتحف البريطاني تمثالاً للإلهة إيزيس (حامية الطبيعة) وهي تحمل جرة بها مياه النيل المقدسة، وهو ما يعكس الإيمان الأوروبي القديم بأن مياه النيل هي وسيلة للخلاص والخصوبة.
تمثال إله النيل في الفاتيكان: يعد هذا التمثال الروماني من القرن الأول الميلادي تجسيداً مهيباً للنهر، حيث يظهر النيل كرجل عجوز وقور يحيط به 16 طفلاً. هؤلاء الأطفال لم يكونوا مجرد زينة، بل رمزوا لارتفاع منسوب النيل بـ 16 ذراعاً، وهو المنسوب المثالي الذي كان يضمن لمصر (وللعالم الروماني الذي يعتمد على قمحها) الرخاء.
ساحة النيل في نابولي: حتى في جنوب إيطاليا، نجد تمثال "إله النيل" متكئاً على أبو الهول، مما يدل على تغلغل الرمزية المصرية في الهوية الثقافية للمدن الأوروبية الكبرى.
النيل في عيون رسامي القرن التاسع عشر: الرومانسية والواقعية
خصص تافيت جزءاً مهماً من تحليله لكيفية توثيق الفنانين الأوروبيين للنيل خلال عصر الاستشراق. لم تكن لوحاتهم مجرد فن، بل كانت "كاميرا" عصرها التي نقلت النيل إلى القصور الأوروبية:
ديفيد روبرتس: الذي برع في رسم المعابد والقرى النيلية بدقة معمارية مذهلة، جعلت الأوروبيين يشعرون بعظمة الحضارة المصرية.
ليون بيليه: في لوحته الشهيرة «فلاحات على ضفاف النيل»، ركز على البعد الإنساني، مصوراً النساء وهن يملأن الجرار بوقار، مما أضفى لمسة واقعية على صورة النهر.
شارل ثيودر فرير: الذي نقل هدوء النيل وسكونه في لوحاته الرومانسية، معززاً صورة النهر كواحة للسلام والجمال الفطري.
النيل كبرنامج بحثي عالمي: رؤية تافيت المعاصرة
لا يتوقف كتاب تافيت عند التاريخ القديم، بل يمتد ليشمل النشاط العلمي والسياسي المعاصر. يشير المؤلف إلى جهوده في إطلاق برنامج أبحاث حوض النيل، الذي جمع باحثين من 10 دول تشترك في حوض النهر.
- من خلال رئاسته لمؤتمرات دولية في مكتبة الإسكندرية وتعاون ممتد مع وزراء الموارد المائية في مصر، يؤكد تافيت على ضرورة فهم "تاريخ المياه" كمدخل أساسي لحل نزاعات الحاضر وبناء تعاونات المستقبل. فالنيل ليس ملكاً للتاريخ فحسب، بل هو اللاعب الأساسي في الجغرافيا السياسية (Geopolitics) للقرن الحادي والعشرين.
أهمية كتاب "النيل - نهر التاريخ" في المكتبة العربية
تكمن أهمية هذا الكتاب للقارئ العربي في عدة نقاط:
رؤية "الآخر": يتيح لنا الكتاب رؤية نهرنا بعيون أوروبية أكاديمية محايدة وشغوفة في آن واحد.
المنهجية الجغرافية: يعلمنا تافيت كيف نقرأ التاريخ من خلال حركة المياه، وهي مدرسة "التاريخ المائي" التي تفتقدها الكثير من المناهج الدراسية التقليدية.
الربط بين الفن والسياسة: يثبت الكتاب أن اللوحة والتمثال والأسطورة كانت دائماً تمهيداً لفهم الموارد الطبيعية والسيطرة عليها أو التعاون من أجلها.
خاتمة: النيل.. النهر الذي لا ينضب حكاياته
في ختام استعراضنا لكتاب تارييه تافيت، ندرك أن "النيل في الفكر الأوروبي" لم يكن مجرد موضوع عابر، بل كان هاجساً حضارياً. من فسيفساء بالسترينا إلى أبحاث تافيت الحديثة، يظل النيل هو "نهر التاريخ" بامتياز.
- إن كتاب «النيل – نهر التاريخ» هو دعوة لإعادة اكتشاف ما نعرفه، والاطلاع على ما جهلناه عن أعظم أنهار الأرض. إنه رحلة تبدأ من قطرات المطر في النرويج، لتصب في عظمة الحضارة المصرية والأفريقية، مارةً بكل متاحف وميادين أوروبا التي انحنت إجلالاً لهذا النهر الخالد.